فخر الدين الرازي
611
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عدو جبريل فقال عمر ، فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عاداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل اللّه تعالى هاتين الآيتين . وثانيها : روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : واللّه ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم ، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب ، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم : وما منزلتهما من اللّه ؟ قالوا : أقرب منزلة ، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدواً لجبريل فقال عمر : لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدو لأحدهما كان عدواً للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدواً للّه ، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لقد وافقك ربك يا عمر » قال عمر : لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر ، وثالثها : قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا ، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل اللّه هذه الآيات . واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر اللّه فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة وتقرير هذا من وجوه ، أولها : أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر اللّه الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة اللّه وعداوة اللّه كفر ، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر ، وثانيها : أن اللّه تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال : إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر اللّه وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر اللّه فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟ وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين ، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نقرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه . المسألة الثانية : من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود : إن جبريل عدوهم قالوا : لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحداً من سلفهم لم يقل بذلك ، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية اللّه أصدق ، ولأن جهلهم كان شديداً وهم الذين قالوا ، اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [ الأعراف : 138 ] . المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير : « جبريل » بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزاً والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها ، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة . المسألة الرابعة : قال بعضهم : جبريل معناه عبد اللّه ، ف « جبر » عبد و « إيل » اللّه : وميكائيل عبد اللّه وهو